اغناطيوس يوليانوفتش كراتشكوفسكي ( تعريب : عثمان هاشم )
275
تاريخ الأدب الجغرافي العربي
في التدريس 21 غير أنه كان ينتمى إلى وسط آخر سواء من ناحية أصله أو من ناحية شخصه . فهو لم يكن عالما متفرغا للحديث أو متفقها فيه بل كان أديبا ذا ميل واضح محدد نحو الموضوعات الأدبية ، لا يرفض حياة المتعة والخمر 22 ، وكان موظفا كبيرا ودبلوماسيا كما كان وثيق الصلة بمعاصريه من الأدباء كابن حيان وابن خاقان اللذين عرفهما عن كتب 23 . ويرتفع نسبه إلى بكر بن وائل ، وكان جده وأبوه يوما ما أميرين على مدينتى ولبه Huelva وشلطيش 24 Saltes على ساحل البحر المحيط إلى الغرب من إشبيلية Seville ؛ وقد اضطر أبوه إلى مغادرة إمارته عندما غلب عليها العباديون أمراء إشبيلية ورحل مع ابنه إلى قرطبة التي احتفظت بعد سقوط الأمويين بأهميتها حينا من الدهر كمركز ثقافى وكملاذ لأمراء الأقاليم الذين فقدوا سلطانهم . وهناك أتم البكري دراسته بل وانتسب إلى المدينة فعرف أيضا باسم القرطبي . ونقابله بعد ذلك لفترة من الزمن وزيرا لأمير المرية ، وقد قام بمهمة دبلوماسية لدى بلاط الأمير الشاعر المعتمد بن عباد - - بإشبيلية . وبعد هزيمة الأخير على أيدي المرابطين Almoravides رجع البكري مرة ثانية إلى قرطبة وظل يزاول نشاطه الأدبي بها إلى وفاته في عام 487 ه - 1094 25 . ولم يتخذ اهتمامه بالجغرافيا طابعا مستقلا بل كانت تخضع إلى حد كبير لميوله الأدبية . وقد اشتهر البكري كخبير في الشعر والأدب الفنى اللذين أفرد لهما بعض الرسائل التي تنعكس فيها مجادلاته مع اللغوي الشهير للقرن العاشر أبى على القالى الذي نقل ثقافة بغداد الأدبية إلى الأندلس . وكان البكري بطبيعته محبا للكتب فأولاها اهتماما متزايدا وكان يلفها فوق الجلدة بقطعة من النسيج « إكراما لها » كما قال هو نفسه 26 . ورغما من أنه لم يغادر الأندلس البتة إلا أنه ترك لنا مصنفين في الجغرافيا تمتعا بشهرة عريضة . أحدهما بعنوان « المسالك والممالك » نحا فيه المنحى القديم في وصف الطرق والمراحل وبين فيه بلدان العالم الإسلامي المختلفة . ووفقا لتركيبه فهو كتاب جامع ولكن أسلوبه جاف ؛ وقد قصد به مؤلفه في المكان الأول إرضاء مطالب الإدارة ولكنه لا يخلو من استطرادات ممتعة ويتضمن أحيانا وثائق هامة . ومن المستحيل نسبته إلى مدرسة البلخي ، وذلك لأسباب عديدة وليس فقط لأنه يخلو من الخارطات 27 . وكان الفراغ من تأليفه حوالي عام 460 ه - 1068 28 ؛ غير أن النص لم يحفظ لنا كاملا بالرغم من أن مخطوطاته استمرت تظهر إلى الآونة الأخيرة 29 ، وكل ما تبقى منه هو أوصاف أفريقيا الشمالية ومصر والعراق وسكان نواحي بحر قزوين وبعض أجزاء أسبانيا ؛ وحتى هذا الموجود بين أيدينا لم يطبع بأجمعه . ومن أكثر أوصافه تفصيلا وصفه لأفريقيا الشمالية الذي أصبح في متناول اليد بفضل طبعة وترجمة دى سلان De Slane 30 . وفيه تمكن البكري من الإفادة من كتاب يحمل نفس العنوان لمؤلف سابق من أهل القرن العاشر هو ابن الوراق 31 الذي مر بنا الكلام عليه ؛ ومن هذا القسم يتضح لنا معرفة البكري العميقة بالطرق وبكل الساحل بمرافئه وخلجانه العديدة . وفي مواضع أخرى توفرت لديه مصادر عديدة كمذكرات إبراهيم بن يعقوب في وصف أراضي الصقالبة ، وهو القسم من كتابه الذي نشره